الشيخ محمد رشيد رضا

120

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هي التي تطبع الاخلاق في النفوس ، ولا سيما الصلاة وبذل المال فلا أعون منهما على الوفاء والصبر وذلك ظاهر لقوم يفقهون قال الأستاذ الامام : العهد عبارة عما يلتزم به المرء لآخر وهو بعمومه يشمل ما عاهد المؤمنون عليه اللّه بايمانهم من السمع والطاعة والاذعان لكل ما جاء به دينه ، ويذكر العهد في القرآن والسنة كثيرا ويراد به في الغالب ما يعاهد به الناس بعضهم بعضا عليه . ويشترط في وجوب الوفاء بهذا العهد أن لا يكون في معصية . وفي معنى العهود العقود وقد أمرنا بالوفاء بها فيجب على المسلم أن يلتزم الوفاء بما يتعاقد عليه مع الناس ما لم يكن مخالفا لامر اللّه ورسوله الثابت عنده ولقواعد الدين العامة وهذا أمر لا مندوحة عنه وهو معقول الفائدة ، ولذلك قال أهل القوانين الوضعية : ان كل التزام يخالف أصول القوانين فهو باطل ، ولكن لا يجوز أن يعاهد الانسان أحدا أو يعاقده على امر يعلم أنه مخالف للدين لا بنية الوفاء ولا بنية الغدر ، والنقض الأول معصية والثاني معصيتان أو أكثر ، لما يتضمنه من الغدر والغش ولا يتحقق البر في الايفاء إلا إذا كان المرء يوفي من نفسه بدون إلزام حاكم يقع أو يتوقع إذا هو لم يوف ، أو خوف أي جزاء ولو من غير الحكام ، فمن أوفى خوفا من إهانة تصيبه أو ذم يلحق به فهو غير بار ، ولا هو من الموفين بالعهود وقال الأستاذ الامام ما مثاله : ان الايفاء بالعهود والعقود من أهم الفرائض التي فرضها اللّه تعالى لنظام المعيشة والعمران ، وإنما الصلاة والزكاة من وسائله - والزكاة فرع منه في وجه آخر - فان اللّه تعالى فرض علينا الصلاة وهو غني عن العالمين لنؤدب بها نفوسنا فنعيش في الدنيا عيشة راضية ، ونستحق بذلك عيشة الآخرة المرضية ، إذ المصلي أجدر الناس بالقيام بحقوق عباد اللّه الذين هم عيال اللّه بما يستولي على قلبه فيها من الشعور بسلطان اللّه تعالى وقدرته وفضله وإحسانه ، وعموم هذا السلطان والاحسان له وللناس كافة . والغدر والاخلاف من الذنوب الهادمة للنظام ، المفسدة للعمران ، المفنية للأمم . وما فقدت أمة الوفاء الذي هو ركن الأمانة وقوام الصدق إلا وحل بها العقاب الإلهي ، ولا يعجل اللّه الانتقام من الأمم لذنب من الذنوب يفشو فيها كذنب الاخلال بالعهد والاخلاف بالوعد ،